عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
240
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
فقال لي : عند خطور هذا الخاطر ، ما الفرق بين الرسول والنبي ؟ فأردت أن أذكر ما بينهما من الفرق بحسب ما يخطر لي من العبارة ، فسبقني وعبر في الفرق بينهما بعبارة حسنة مشتملة على ألفاظ وجيزة جامعة ، ومعانٍ حسنة ، حاصلها أن الرسول هو الذي يوحي إليه ، ويرسل إلى الخلق ، ويؤيد بالمعجزات التي تدل على الحق ، والنبي غير متصف بهذه الصفات ، وكذلك الأولياء منهم من يؤمر بإرشاد المريدين ، ويؤيد بالكرامات والبراهين . ومنهم من له فضل في نفسه ، وليس له شيء من هذه المذكورات ، ففهمت من ذلك أن الفرق بينه وبين ذلك الشخص نسبته نسبة الفرق بين الرسول والنبي على حسب ما بين النبوة والولاية من التفاوت ، فهو في أعلى درجات الولاية كما أن الرسول في أعلى درجات النبوة ، وذلك الشخص في أسفل درجات الولاية ، كما أن النبي في أسفل درجات النبوة ، ومفهوم كلامه أنه أفضل من ذلك الشخص ، فقلت له في ذلك الحال : هل يتصور أن يصير النبي رسولاً . ومرادي أن ذلك الشخص ، هل يصير في مرتبة التربية والتأييد بالكرامة ، وإرشاد السالك ؟ فأشار إلي أنه قد يتصور ذلك ، نسأل الله الكريم من فضله العظيم لنا ولأحبابنا والمحبين . ومنها أنه قال لي بعض الأولياء الكبار ممن له بكثرة الكرامات في بلاد اليمن اشتهار : سلم لي على الشيخ علي يعني شيخنا المذكور ، وذلك عقيب صحبتي للشيخ ، وكنت في ذلك الوقت زائراً عشرة من الأولياء ، فلم يذكر لي أحد منهم بالسلام ولا غيره غير الشيخ علي ، فقال : يأخذ كل واحد منكما عن صاحبه تأخذ عنه نوراً ، ويأخذ عنك علماً ، فقلت في نفسي متعجباً : كيف يأخذ عني العلم ، وهو ممن يفيد العلم وغيره . وأما أخذي عنه النور ، فهو أهل لذلك ، وأنا مفتقر إليه ، فاسأل الله تعالى أن يحقق ذلك ، وكان هذا الكلام سراً بيني وبينه لم يطلع عليه أحد غير الله . فلما قدمت على سيدي الشيخ أخرج لي كتاباً من كتب الإمام حجة الإسلام أبي حامد الغزالي ، وقال : ما تقول في هذه المسألة ؟ وأشار إلى كلام فيه لأبي حامد ، فقلت : سبحان الله مثلك يسأل مثلي : فقال لي : إيش قال الشيخ فلان ؟ مشيراً إلى ما ذكرت من قول ذلك الشيخ ، ويأخذ عنك علماً ، فلما قال لي ذلك تعجبت ، وعلمت أن الرجل صاحب تمكين في الاطلاع على القلوب ، وما شاء الله من علم الغيوب ، وقوة التصرف النافذ فيما شاء الله من الوجود ، بمن الملك المنان ذي الكرم والجود . ومن قوة تصرفه أن بعض أصحابه كان قد منعه من الأسفار مع رغبته فيها ، فقال صاحبه المذكور لشيخ من شيوخ اليمن الكبار : أشتهي منك ، ومن فلان شيخ آخر من الكبار أيضاً أن تكفياني أمر الشيخ علي في منعه لي من السفر ، وتضمنا لي ذلك ، فقال له : لا والله